سيد محمد طنطاوي
252
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الكلام وبليغه ، جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه . فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب بحليته ، وصورته بصورته ، كقولهم : وجهها يصف الجمال ، وعينها تصف السحر . . « 1 » . وقال بعض العلماء ما ملخصه : ويصح أن يكون لفظ الكذب مفعولا لتصف ، وأن يكون قوله : * ( هذا حَلالٌ وهذا حَرامٌ ) * مفعولا لتقولوا . وعلى هذا الوجه يكون في وصف ألسنتهم الكذب ، مبالغة في وصف كلامهم بالكذب ، حتى لكأن ماهية الكذب كانت مجهولة ، فكشفت عنها ألسنتهم ووضحتها ووصفتها ونعتتها بالنعوت التي جلتها . . ومنه قول الشاعر : أضحت يمينك من جود مصوّرة لا ، بل يمينك منها صوّر الجود « 2 » واللام في قوله : * ( لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّه الْكَذِبَ ) * هي لام الصيرورة والعاقبة ، أو هي - كما يقول صاحب الكشاف - من التعليل الذي لا يتضمن معنى الغرض ، لأن ما صدر عنهم من تحليل وتحريم دون أن يأذن به اللَّه ، ليس الغرض منه افتراء الكذب فحسب ، بل هناك أغراض أخرى ، كظهورهم بمظهر أولى العلم ، وكحبهم للتباهى والتفاخر . . وقوله : * ( لِتَفْتَرُوا ) * من الافتراء وهو أشنع أنواع الكذب ، لأنه اختلاق للكذب الذي لا يستند إلى شيء من الواقع . أي : ولا تقولوا لما تحكيه ألسنتكم من أقوال وأحكام لا صحة لها ، هذا حلال وهذا حرام ، لتنسبوا ذلك إلى اللَّه - تعالى - كذبا وزورا . قال الإمام ابن كثير : ويدخل في الآية كل من ابتدع بدعة ، ليس له فيها مستند شرعي ، أو حلل شيئا مما حرم اللَّه أو حرم شيئا مما أباح اللَّه ، بمجرد رأيه وتشهيه « 3 » . وقال الآلوسي : وحاصل معنى الآية : لا تسلموا ما لم يأتكم حله ولا حرمته عن اللَّه - تعالى - ورسوله صلى اللَّه عليه وسلم حلالا ولا حراما ، فتكونوا كاذبين على اللَّه ، لأن مدار الحل والحرمة ليس إلا حكمه - سبحانه - . ومن هنا قال : أبو نضرة : لم أزل أخاف الفتيا منذ أن سمعت هذه الآية إلى يومى هذا . وقال ابن العربي : كره مالك وقوم أن يقول المفتي : هذا حلال وهذا حرام في المسائل
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 433 . ( 2 ) تفسير القاسمي ج 10 ص 3872 . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 590 .